ريتا أنطوان حرديني هي أيضًا لن تكون القتيلة الأخيرة

كتب عقل العويط في صحيفة النّهار:
لم يكن جفّ حبرُ مقالي بعنوان “جوليا عوده” (“النهار” 28 آذار 2022) التي أُعلِن قبل أيّام مقتلُها المتأخّر، في جريمة تفجير مرفأ بيروت، حتّى ذاع خبر “الاغتيال” الجديد الذي يحمل اسم الصبية – الوردة ريتا أنطوان حرديني، الملتحقة بقافلة ضحايا العاصمة القتيلة.
وإذا كنتُ قلتُ إنّ جوليا عوده لن تكون الضحيّة الأخيرة، فها أنا مرّةً ثانيةً أقول: إنّ ريتا أنطوان حرديني لن تكون هي المغدورة الأخيرة في جريمة الإبادة الجماعيّة، جريمة الرابع من آب 2020 التي أودت بحياتنا مطلقًا، وفتحت باب القتل القصديّ على مصاريعه، وجعلت القضاء، والحقيقة، بل الجمهوريّة اللبنانيّة، والدولة السيّدة الحرّة المستقلّة، ضحيّةً كبرى على مذبح الدعارة السياسيّة التي يقودها ويشرف عليها أهل السلطة، بشهوةٍ رخيصةٍ عمياء، وبضميرٍ منتنٍ، وبعقلٍ باردٍ، ويدٍ، أين منها أيدي الطغاة والمستكبرين، ماضيًا وحاضرًا، والأرجح مستقبلًا.
حبل الإبادة على الجرّار. بجريمة المرفأ، وبغيرها من جرائم. إلى أنْ يستسلم لبنان للحقارة السياسيّة المطلقة، ويصبح حجرًا (ثانويًّا تافهًا) في لعبة الشطرنج الدمويّة، التي ينظّمها، ويدوزنها، ويتلاعب بأحجارها، وليُّ أمرنا، من خلال أدواته في السلطة، تحت نظر العالم كلّه، وفي مقدّمه العالم الذي يُسمّى حرًّا.
لم يعد أحدٌ يهمّه أنْ يعرف كيف فُجِّر المرفأ، ومَن فجّره، ولماذا. هذه “قضيّة” تُضاف إلى جملة القضايا التي لم يُكشَف النقاب عن خيطٍ واحدٍ من خيوطها.
ألم يٌقتَل لقمان سليم قبل سنة؟ مَن، بعدُ، يسأل عن حقيقة مقتل لقمان سليم؟ عن زوجته؟ عن شقيقته؟ عن شقيقه؟ عن السيّدة والدته، اللايدي الأميرة الأنوفة المكابرة؟ لا أحد.
… ومعروف سعد، مَن قتله في عشيّات الحرب الأهليّة الماجنة؟ والقضاة الأربعة، الذين اغتيلوا في الوضح المشمس، وهم على القوس في صيدا، هل بقي أحدٌ يريد أنْ يعرف مَن قتلهم، ولماذا؟
أعتقد أنّ أسئلتي مثيرةٌ للشفقة، بل سخيفة، بل مضحكة. وأيضًا في غير محلّها.
فالقتلى في جمهوريّة الطاغية تفاصيل. محض تفاصيل. والقتلى أرقام. محض أرقام.
المطلوب هو الاستيلاء على مفتاح لبنان، وعلى بيته، وعلى كلّ شيءٍ فيه، وإن اقتضى الأمر قتل هذا اللبنان، ووقف المطالبة بدمه. من أجل ماذا؟ من أجل أنْ يستتبّ الأمر للقاتل، ويصير هو الدولة، وهو الحقّ، وهو القانون، وهو الدستور، وهو الرئيس، وهو الرؤساء، وهو الوزراء، وهو النوّاب، وهو القضاء، وهو القَدَر.
هذا كلّه يحدث أمام عيوننا. وثمّة بيننا مَن لا يزال يتلهّى بـ”حروب” انتخابيّة تتصارع فيها اللوائح الاعتراضيّة التغييريّة، في حين أنّ لوائح القاتل واحدة موحّدة.
صدِّقوني: ريتا أنطوان حرديني هي أيضًا لن تكون القتيلة الأخيرة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s