إنها لعنة لبنان الأبدية

كتب محمد الغزاوي في خاص نقد:

بات من المألوف على المواطن اللبنانيّ مشهداً يعدّ شبه يوميّ، مشهد “الطابور” على محطات البنزين، وعند أفران الخبز، وعند المصارف…

هذه الطوابير التي تزداد يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، قد تصل باللبنانيّ للتفكير مليّاً في مستقبله ومستقبل أولاده ووطنه حتّى.

أزماتٌ متتالية، وعواقب تظهر من كلّ الاتجاهات، اقتصاديّاً حينما يصبح الحدّ الأدنى للأجور في لبنان ما يقارب الـ٣٠ دولار، ومعيشيّاً عندما لا يجد اللبنانيّ ربطة خبزٍ لأولاده، ومصرفيّاً عندما يُسرق جنى عمره، وصحيّاً عندما يموت على أبواب المستشفيات، وتعليميّاً عندما تثبت المدارس والجامعات الحكوميّة فشلها الذريع في التعليم عن بعد، واجتماعيّاً عندما يسمع اللبنانيّ بجرائم القتل والسرقة والخطف لقاء فدية.

حتّى عندما يتصفّح اللبنانيّ مواقع التواصل الاجتماعيّ هرباً من واقعه المرير – إن وجد انترنت في هاتفه – يُفجع بكلّ سيّء، بمجلات ودراساتٍ عالميّة تصنّف لبنان كثاني أتعس دولة، يُفجع بأنّ نسبة الفقر في لبنان تجاوزت الـ٧٤٪،؜ وبنسبة الشباب الراغب بالهجرة ٧٨٪؜ وبمؤشرات ومعدلات ودراسات إن دلت على شيء فهي تدلّ على حجم الكارثة التي وقعنا بها ونحاول التأقلم بها.

وزيادة على الطوابير السّابقة، استجدّ طابور المسافرين في المطار، جميعهم متوجهون للخارج، هجرةً هاربين من واقع لبنان، أو عملاً راضين بالقليل ليطعموا عائلاتهم، أو علماً لينجوا بأنفسهم من المناهج اللبنانيّة المهترئة، وفي هذا الصدد أعد “مرصد الأزمة” التابع للجامعة الأميركية في بيروت، تقريراً يرصد ما وصفه بـ “موجة الهجرة الثالثة”، لافتاً إلى أن البلاد دخلت هذه الموجة بالفعل، حيث تشهد ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الهجرة، ومحذراً من عواقبها طويلة الأمد على مصير لبنان.

الهجرة الكبرى الأولى كانت أواخر القرن التاسع عشر امتدادًا حتى فترة الحرب العالمية الأولى (1865 – 1916) حيث يُقدر أن 330 ألف شخص هاجروا من جبل لبنان آنذاك، وفقاً للمرصد.

والموجة الكبيرة الثانية جاءت خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975 -1990)، حيث يقدر الباحث، بول طبر، أعداد المهاجرين في تلك الفترة بحوالي 990 ألف شخص. واليوم نحن أمام الموجة الكبيرة الثالثة، من دون حرب، ولا دمّ، ولا خلاف.

موجة من الخنق الاقتصادي والسياسي، انهالت بثقلها على المواطن اللبناني، الذي أصبح شبيهاً بالسمكة، التي اعتادت على البحر، ثمّ وجدت نفسها في حوض “زينة” داخل إحدى المنازل.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s