صراع على مرّ التاريخ… هل تغزو روسيا أوكرانيا؟

كتب عدنان الحداد في خاص نقد:‎

قد يكون الصراع الروسي الأوكراني أشبه بحرب باردة طويلة تحولت إلى ساخنة في الفترات الأخيرة أي بعد عام ٢٠١٤ بسبب التصعيد الحاصل على الحدود الأوكرانية الروسية. عند دراسة أسباب وظروف هذا الصراع والمنحى الذي قد يأخذه، لا يمكن إلا أن نعود إلى السبب التاريخي الذي أدخل البلدين في نفق التوتر المظلم وهو الخلاف على ميراث الأمير “ياروسلاف الحكيم” الذي وحد الإمارتين بين بحر البلطيق والبحر الأسود في القرن الحادي عشر.
‎وبات جليا أن رفات الأمير ياروسلاف هو أساس الخلاف التاريخي للحشد العسكري الروسي الحالي بالقرب من أوكرانيا، وسط تحذيرات أميركية من مؤشرات متصاعدة لغزو روسي. إذاً، يعود الخلاف الى القرون الوسطى فلكلا البلدين جذور في الدولة السلافية الشرقية المسماة “كييف روس” لذلك يتحدث اليوم الرئيس الروسي عن “شعب واحد” ويبدي عدم إكتراث السلطات الروسية بأوكرانيا على أساس أنها دولة مع كييف عاصمة لها.

‎تختلف وجهات النظر في هذا الملف لكن لا بد من الإشارة إلى أن مسار هاتين الأمتين عبر التاريخ كان مختلفاً، ونشأت عنه لغتان وثقافتان مختلفتان رغم قرابتهما، فبينما تطورت روسيا سياسياً إلى إمبراطورية، لم تنجح أوكرانيا في بناء دولتها. في القرن السابع عشر، أصبحت أراضٍ شاسعة من أوكرانيا الحالية جزءاً من الإمبراطورية الروسية. وبعد سقوط تلك الإمبراطورية عام ١٩١٧، استقلت أوكرانيا لفترة وجيزة، إلى أن قامت روسيا السوفييتية باحتلالها عسكرياً مجدداً.
‎ما يخشاه القادة الغربيون والأوروبيون وأوكرانيا نفسها هو غزو روسي، فقبل سبع سنوات فقط، استولت روسيا على جزء من أوكرانيا ودعمت الانفصاليين الذين بدأوا صراعاً في مناطق واسعة شرقي البلاد. تريد روسيا من الغرب التعهد بعدم ضم أوكرانيا إلى حلف الناتو، وعلى الرغم من أن الجانبين يجريان المفاوضات، لكن بدون جدوى. ما سيحدث بعد ذلك قد يعرض الهيكل الأمني لأوروبا بالكامل للخطر.
‎تنفي روسيا وجود نية لديها لغزو اوكرانيا لكن تصرفاتها لاسيما على الحدود تؤكد عكس ذلك خاصةً أن روسيا وبعد أن استولت على اراضٍ أوكرانية، قد حشدت حتى الأن نحو ١٠٠ ألف جندي. بدأ هذا الصراع يتطور بأشكال أخرى؛ إذ إن أوكرانيا، تتهم روسيا بالتدخل بشؤونها، وتنفيذ قلاقل في البلاد، وآخرها توجيه أصابع الاتهام لموسكو بمحاولة الإغتيال التي نجا منها مساعد الرئيس الأوكراني الأول، سيرغي شيفير.
‎فزعيم رئيس الكتلة البرلمانية لحزب «خادم الشعب» الحاكم في كييف، دافيد أراخاميا، رأى إمكانية وقوف روسيا وراء محاولة الاغتيال الفاشلة، بينما تعهد الرئيس فلاديمير زيلينسكي بالرد على المحاولة، كما أعرب شيفيرعن قناعته بأن «هدف العملية يكمن في إخافة أرفع قيادات الدولة»، في حين وضع رئيس الشرطة الوطنية الأوكرانية، إيغور كليمينكو، احتمالية تورط أجهزة استخبارات أجنبية في العملية، في تلميح واضح وصريح إلى موسكو.

‎الصراع ليس ثنائي كما يبدو، بل المقصود الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، فدول الغرب تدعم كييف بوجه “الإمتداد الروسي”. إضافةً إلى الأسباب التاريخية، تقوم موسكو بالمستحيل لقطع علاقة أوكرانيا بالغرب لمنع وصول الأخيرة إلى مجالها الحيوي ومنطقتها الجيوسياسية، إذ تعد روسيا أي وجود لحلف الناتو أو حلف شمال الأطلسي في أوكرانيا أو البحر الأسود تهديداً لأمنها. لذا فإن الغرب يتردد في ضم أوكرانيا للناتو، تجنباً لمواجهة عسكرية محتملة مع روسيا، لكن في المقابل فإنه ضاعف من الضغط الدبلوماسي على موسكو، لإنهاء تهديداتها في المنطقة، لكن هذا الضغط حُدد بأطر لضمان تدفق الغاز الروسي إلى القارة العجوز عبر أوكرانيا.
‎أخيراً، قد لا تنتهي هذه القضية التاريخية المتعلقة بالإرث الحضاري الثقافي بالأطر السلمية ولا يمكن إعتبار روسيا كمنتصر أو كخاسر في ظل الظروف الإقليمية والدولية الحالية. قد تستخدم روسيا هذا الملف كورقة سياسية تستخدمها في التسوية التي قد تحصل بين واشنطن والكرملين بما يخص كل الأزمات الدولية التي تمس النفوذين الروسي والأميركي كالشرق المتوسط وسوريا وغيرها.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s