العابرين والعابرات جنسياً بين سجن الجسد وقضبان الدولة

كتبت ميليسا معراوي في خاص نقد:

منذ “قدم العصور” والى حين كتابة هذه السطور والعالم يتخبط بين مؤيد أو مدافع عن مجتمع الميم ـ والعابرين جنسياً، وبين معارض لهذه “البدع”.
انما وبغض النظر في أي محور يتشخص كل فرد منا، يجب أن يكون هناك توافق عالمي على أنه لا يجوز ومن غير الممكن القبول به انسانيًا وحتى أخلاقيًا الممارسات التعذيبية والعنفية والشاذة على كافة الأصعدة التي يواجهها هذا المجتمع، حيث يكاد يرتقي مجرد وجودهم الى فئة الجريمة الإرهابية.
فكيف يعقل للقانون – والمفترض به أن يكون حامي المجتمع ـ أن يكون الحربة التي تطعن هؤلاء الأفراد والأداة التي تمهد الى نظام إداري وسياسي وقضائي عدائي قمعي وشاذ بإمتياز؟

كلمتان تتعارضان: مجتماعتنا العربية والقرن الواحد والعشرون.
مع ذلك، لا نزال في مجتمعاتنا العربية، رغم بلوغنا القرن الواحد والعشرين، لا نرقى الى المدافعة او المطالبة بحقوق هذه الفئة من المجتمع. إنما كل ما نسعى إليه هو إلغاء القوانين التجريمية بحق مجرد وجود هؤلاء الأشخاص، وتجريم الاعتداءات الفاضحة التي يتعرض لها هؤلاء الأشخاص من قبل الأنظمة في هذه الدول.
وبذلك نكون جل ما نهدف إليه هو المعاملة الانسانية وهي حق كل إنسان بغض النظر عن خلفيته.

حتى تاريخنا هذا، معظم قوانين الدول العربية تجرم الممارسات الجنسية “المثلية” وتقضي بعقوبات تصل الى الحبس سنوات من بينها الجزائر، ليبيا، لبنان، العراق…

قانون العقوبات الجزائري ينص في المادة 338 على:
“أنه تتم معاقبة أي شخص يثبت عليه ارتكاب الممارسات الجنسية المثلية، بالسجن لمدة تتراوح بين شهرين وسنتين وغرامة تتراوح بين 500 و2000 دينار جزائري”.

أما في مصر فالعلاقات الجنسية المثلية بالتراضي بين البالغين ليست محظورة، فاستخدم قانون مكافحة الدعارة والقانون ضد الفجور لسجن مجتمع الميم ـ عين.  

أبعد من ذلك، ذهبت بعض الدول الى اعتماد الاعدام كعقوبة للممارسات “المثلية الجنسية”!! أي صنفت هذه الممارسات كجرائم بدرجة خطورة تستوجب ازهاق الحياة وانعدام الوجود! من بين هذه الدول: اليمن، المملكة العربية السعودية، والسودان.

أما لبنان، الذي يعد الأكثر انفتاحاً وموطن الحريات حسب المظاهر الخادعة، لا يعدو قانونه الهش يكرس مظاهر التمييز والعدائية ضد فئات محدد من مواطنيه.

فالمادة 534 من قانون العقوبات اللبناني تنص على أن: “كل مجامعة على خلاف الطبيعة يعاقب عليها بالحبس حتى سنة واحدة”.

ولطالما تشددت الدولة والقضاء في تطبيق هذه المادة خصوصا في وجه ما يعتقدونه “شذوذ جنسي”.
الا أننا بتنا نشهد تطورًا ملحوظًا في الاجتهاد ومحورًا أقل تشددًا في تطبيق هذه المادة على المثليين، انما ليس بفضل التطور القانوني بل لإستنسابية القاضي في تفسير وتطبيق هذه المادة، حيث أن التثبت من انطباق كل حالة على هذه المادة أمر متروك لتقدير القاضي.

حيث صدر عدة أحكام تبرئ المتهمين من الجرم وتنقذهم من العقاب، منها:

حكم صادر عن القاضي الجزائي المنفرد في البترون تاريخ 2 كانون الأول 2009 جاء فيه:

“لم يحدد القانون مفهوم معين للطبيعة أو معيار يجري على أساسه تحديد مدى تطابق أو مخالفة الفعل للطبيعة ولقوانينها، وحيث إذا كان الأمر متروك لتقدير القضاء، فإننا نرى أن الانسان لم يستطع بعد فهم قوانين الطبيعة بجوانبها كافة ولا يزال حتى اليوم يسعى لاكتشاف الطبيعة وطبيعته حتى”.

قرار صدر في 31/10/2013  يتعلق بممارسة الجنس الفموي، جاء فيه:

“حيث أ إقدام المدعى عليه… على الوجه المبين في الوقائع لا يؤلف عناصر جرم المادة 534 من قانون العقوبات والتي نصت على المجامعة على خلاف الطبيعة،

وحيث أن الافعال المذكورة في باب الوقائع لا تشكل مجامعة خلافا للطبيعة، لأن المجامعة تعني الولوج ما يقتضي معه ابطال التعقبات بحق المدعى عليهما لانتفاء الركن المادي للمادة 534 ق.ع.”.

رغم هذا التطور الطفيف، الا أن معاناة مجتمع الميم ـ عين، مع الدولة لا تزال في بدايتها، حيث السجون ما تزال مكتظة حيث يتمركز الانحطاط الأخلاقي والمعاناة والتعذيب والتشويه النفسي والجسدي.
بدل أن تكون السجون مراكز إعادة تأهيل، تشكل في بلدنا مركزًا لتعزيز الفكر والممارسات الجرمية حيث يخرج الأشخاص منها أكثر إجراما من ذي قبل نظرًا لما يتعرضون له من فحشاء خلف تلك القضبان.

إذ يروي العديد من الضحايا تعرضهم للتحرش والاغتصاب خاصة في سجون الرجال حيث يكرهون على ممارسات منحرفة يوميا واعتداءات شتى. هذا بالاضافة الى التعذيب الذي يتعرضون له من قبل رجال الأمن والعسكر.

ولا يختلف الوضع عن العابرين/ات جنسياً، إذ قالت ع. ق (26 عاماً)، عن تفاصيل اعتقالها: “لقد تعرضت للاعتقال على خلفية هويتي الجندرية ثلاث مرات خلال 3 أعوام متتالية. في العام 2019، قبل الثورة بأيام قليلة، داهمت الشرطة أحد المباني التي يسكن في أغلب طوابقها نساء عابرات جنسياً، وبالرغم من أنني كنت برفقة صديقتي في مدخل المبنى، بعض الضباط أرغمونا على الخروج ووضعوا في أيدينا الأصفاد ومن ثم قاموا باصطحابنا الى سيارة الشرطة”.

“شعرنا بأن كل ما يحدث مزحة، فليس من المنطق أن يتم القبض علينا لمجرد أننا عابرات جنسياً”، تقول ع.ق. وتضيف، “في تلك الليلة المشؤومة، دخل علينا ضباط القسم، وجبرونا أن نتجرد من جميع ملابسنا، وتعمدوا التحدث أمامنا بصوت عال وبطريقة مهينة بالإضافة إلى تهديدات أخرى بهدف ترهيبنا نفسياً”.

في نهاية المطاف، يبقى طريق المناهضة طويل وشاق، خاصة في ظل غياب الدولة والفوضى التشريعية المتفشية. ولكن يبقى الأجدى التمثل بالدول التي تعاقب جرائم الكراهية على أساس الميول الجنسي حيث تكمن الجرائم الفعلية. وليس معاقبة الانسان على ممارسات خصوصية قام بها بإسم الحب مما يتعارض وروحية القانون.

تم هذا المشروع بالتعاون مع المؤسسة العربية للحريات والمساواة وبدعم من السفارة الهولندية.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s