صوت الإنتشار يهدد قصورهم الواهية

كتب مالك فرنسيس في نقد بوليتكس:

على الرغم من انطلاق المسار التقني للسباق الانتخابي عبر بدء تسجيل المغتربين إلكترونياً، ورغم التأكيدات الرسمية بإجراء الإنتخابات بموعدها، ليس خافياً على أحد محاولة بعض أركان السلطة “تطيير” إنتخابات المغتربين بالمباشر أو بالمواربة. فبعضهم يهاب تقلب الرأي العام المغترب نتيجة لما تكبده الإنتشار من ضربات الإنهيار باحتجاز أموالهم وجنى أعمارهم، وبعضهم الآخر يخشى تعرض مناصريه للملاحقات القانونية إثر العقوبات المفروضة عليه من عشرات الدول.

لكن الخطر الفعلي لا يكمن بالتلويح بمنع الإنتشار من ممارسة حقهم اقتراعاً وترشيحاً بالمباشر، إذ إن قرارات مماثلة قد ترفع سقف النقمة الشعبية والدولية على السلطة وهي كمن يطلق النار على قدميه. بل يتجلى الخطر الفعلي بالبدع الدستورية والألاعيب القانونية التي يمهر حياكتها تجار السياسة اللبنانية. على حد سواء، تلجأ السلطة للعبة إظهار الأسوأ بغية تمرير السيئ، تلوح بعدم إجراء إنتخابات للمغتربين من أساسها بحجج لوجستية، لتمرير جرعة النواب الـ6 السامة.

فيما يؤكد الدستور اللبناني في مادته السابعة أن “كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دون ما فرق بينهم”، وفيما تشير مادته الواحدة والعشرون الى أنه “لكل وطني لبناني بلغ من العمر احدى وعشرين سنة كاملة حق في أن يكون ناخباً على أن تتوفر فيه الشروط المطلوبة بمقتضى قانون الانتخاب”، ارتأت ثعالب المنظومة ضرب تلك الأساسيات الحقوقية والركائز الدستورية عبر حصر تمثيل لبنانيي الإنتشار بست نواب. أما الأفظع والأشد وقاحة، يتجلى بمزايدة أحد أحزاب السلطة، المعروف بديماغوجيته، كونه رأس حربة هذا المطلب. وبأسلوب “تربيح الجميلة” للمغترب اللبناني بالنواب الست، يحاول التعمية على سلبهم حقهم باقتراع ١٢٨ نائب.

اما حكومياً، تتبجح الحكومة بألسنة وزرائها ورئيسها بأنها سلطة تنفيذية وتنحصر مهامها بتطبيق القوانين الصادرة عن المجلس النيابي فقط، بمحاولة لرمي كرة النار في ساحة النجمة ريثما يتبلور الإتفاق السياسي. وفي هذا السياق إذاً، تتنصل الطغمة الحاكمة من المسؤولية وتراهن على لعبة الوقت عبر تقاذف وزرها بين المجالس والإدارات وكامل الـ”establishment”. وجديد الملف، توقيع وزير الداخلية بسام مولوي قراراً مشتركاً مع وزير الخارجية والمغتربين عبدالله بو حبيب لتعيين لجنة مشتركة لتحديد دقائق تطبيق الفصل العائد لاقتراع اللبنانيين غير المقيمين على الأراضي اللبنانية، بموجب المادة ١٢٣ من قانون الانتخابات. بالمحصلة، يعني القرار المزيد من الهرطقات الدستورية وإن ما بني على باطل المادتين ١١٢ و١٢٢ (المواد المتعلقة بالمقاعد المخصصة لغير المقيمين)، فهو حتماً باطل.

ختاماً، ينقسم غير المقيمون اللبنانيون الناخبون، عامةً، الى فئتين: الأولى تتشكل من الأفراد والأسر الذين كوّنوا “موجة الهجرة الثانية” – أي مهاجرو فترة الحرب اللّبنانيّة – والذين سُلبت مدّخراتهم وجنى أعمارهم بعد أن أنهكت قواهم في وحشة الإغتراب، اما الفئة الثانية فتتشكل من “موجة الهجرة الثالثة” – أي “المهاجرون الجدد” إثر الإنهيار الحالي – الّذين جُرّدوا من سنين شبابهم وسُحقت طموحاتهم حتى سلخوا عن ذوويهم. فكيف لا تهاب المنظومة من أصوات هؤلاء؟

ولكن “الزمن الأول تحول” والشعوذات الدستو-سياسية ما عادت “تاكل براس الشعب حلاوة”. مهما اخترعتم بدع وفصلتم الدساتير والقوانين على سجيتكم، سنقترع. مهما انتُقِص من حقنا وحوصِرت أصواتنا، سنقترع. من حيث نحن في بلاد الله الواسعة سنقترع، وإن لزم الأمر من لبنان، سنقترع. فلنُعْلِم أهل الحكم أن “status quo” الرأي العام تغير ولم يعد “بالجيبة”، وها هو التغيير يقرع أبواب قصوركم الواهية.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s