كان وقع سقوط فاجعة ٤ آب على رأس اللبنانيين أشبه بسقوط صاروخ عدو يفجّر مدينتهم الحبيبة. لا بل أشبه بسقوط وقع فشل مسؤوليهم واهمالهم. أو بالأحرى كان نتيجة مؤامرة محاكة لتطلعات وأهداف لا تعدو كونها بغية اسقاط النظام اللبناني الحالي وتعديله ليتماشى مع رؤية ومصالح بعض الأطراف التابعة. والا وبكل بساطة سقوط شىرارة تلحيم أفضت الى اثبات مقولة “صغير وفعله كبير”.
من تاريخ ٤ آب الذي يفطر قلب كل لبناني ولما نزل نطالب بعدالة تنصف أرواح شهدائنا المظلومين وتعزي روح عاصمة حزينة.
اذا أين بات التحقيق اليوم؟ وما هي العوائق القانوني التي تحول دون انصاف وطن لا يزال يرزح تحت شبح الموت والدمار؟

امام هذه الفرضيات ابتدأت التحقيقات اثر الفاجعة بسلك مسارين، الاول اداري متمثل بقرار لجنة المجلس الاعلى للدفاع بتشكيل لجنة تحقيق ادارية تضم وزراء العدل والدفاع والداخلية وقائد الجيش والمدراء العامين لقوى الامن الداخلي والامن العام وأمن الدولة برئاسة حسان دياب، تعطي تقريرها خلال الخمسة أيام المزعومة، والتي لا يسعنا القول الا انها مهلة دقيقة أنارت مسار التحقيق!
والمسار الموازي قضائي يقوده النائب العام التمييزي، الذي ما لبث أن تنحى عن القضية لوجود صلة قرابة بينه وبين أحد الوزراء المتهمين، وخلفه المحامي العام القاضي غسان الخوري.

ثار التخبط بادئ الامر لناحية المحكمة صاحبة الصلاحية للنظر في الملف، الى ان أحال مجلس الوزراء القضية الى المجلس العدلي وهو محكمة استثنائية مؤلفة من كبار القضاة تحال اليها الجرائم ذات الطابع الارهابي او التي تشكل خرق لأمن الدولة الداخلي او الخارجي، ويكون للمحقق العدلي لديها صلاحيات واسعة. الا أنه في حال سقوط فرضية المؤامرة الارهاب والتعدي من قبل العدو تصبح هذه المحكمة غير ذي صلاحية ونعود الى نقطة الصفر.

في البداية تسلم القاضي فادي صوان زمام الامور واستلم التحقيقات. الا انه ومنذ لحظة ادعائه على فعاليات سياسية تم كف يده عن القضية والسبب الظاهري انه متضرر شخصي، رغم ان كل مواطن لبناني هو متضرر شخصي في هذه القضية. انما ما يدعو الى التساؤل هو عدم مراعاة القاضي صوان الاصول القانونية البديهية مما يشكل قرينة على نيته الضمنية بالتنحي.
عادت ونقلت الدعوى الى القاضي بيطار الذي قاد التحقيقات بعزيمة وأسلوب تقني ووظاب على التحقيق بدء بأصغر المتهمين وصولا الى المسؤولين الكبار اذ عاد واستجوب كل من يمكن ان بكون له صلة بالقضية بدؤ من عمال التلحيم حتى المدراء العامين من مدير عام الجمارك ودائرة المنيفست وغيرهم حتى عاد وطلب التحقيق مع شخصيات سياسية بعد تثبته من تسلم الوزراء والمسؤولين البلاغات اللازمة عن خطورة الوضع. ثبّت البيطار ادعائه على رئيس حكومة تصريف الأعمال، حسان دياب، والوزراء السابقين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس وغازي زعيتر. وأضاف إلى سلّة الادعاء الوزير الأسبق للداخلية نهاد المشنوق و5 من كبار رؤساء الأجهزة الأمنية اللبنانية، من أبرزهم مدير عام الأمن العام اللواء عباس إبراهيم، وقائد الجيش السابق الجنرال جان قهوجي. والتهم التي سيلاحقون عليها هي “جناية القصد الاحتمالي لجريمة القتل” إضافة “إلى جنحة الإهمال والتقصير” لأنهم كانوا على دراية بوجود نيترات الأمونيوم “ولم يتخذوا إجراءات تجنّب البلد خطر الانفجار”. ما وضعنا أمام ثغرة قانونية جديدة هي الحصانات. الا ان خطوة كهذه انما مفادها انها تظهر كل فاسد وكل مساهم في تغطية الفساد اذ ان القاضي بيطار أعطى الكلمة النهائية لحامي الفساد وفضحهم أمام الرأي العام. اذ حتى الان لم تعطى أذون بالملاحقة الا من قبل نقابة المحامين اذ ان مجلس النواب يماطل كما ووزير الداخلية تمنع بكل سفالة والنائب العام التمييزي يغض النظر ويعتبر نفسه غير معني.

الا ان الملاحقة الحالية تهدد انقسام المسار الى ثلاثة محاكمات متوازية، واحدة لدى المجلس العدلي، كما تظهر صلاحية جديدة للمجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء وهو الحجة التي يتذرع ويطالب فيها مجلس النواب، علما ان هذا المجلس غير فعال. فأي تهرب هذا!! اضافة الى الحصانة التي يتمتع بها القضاة التي تمنع ملاحقتهم ومحاكمتهم الا امام محكمة التمييز الجزائية او الهيئة العامة لمحكمة التمييز حصرا وقد نصت المادة 344 ا.م.ج. بأنه “تختص محكمة التمييز بالنظر في الجرائم التي يرتكبها القضاة سواء اكانت خارجة عن وظائفهم ام ناشئة عنها او بمناسبتها.”اما اذا كان الجرم سواء ناجم عن الوظيفة او خارجها منسوب الى النائب العام التمييزي لا يمكن محاكمته الا امام هيئة قضائية مؤلفة من خمسة قضاة تعين بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير العدل.
وها نحن اليوم في انتظار المرجعيات لانصاف الضحايا واللبنانيين كافة.

كل ذلك ويدور التساؤل حول عدالة العقوبات المنصوص عنها في القانون اللبناني وان كان القانون لحظ فعلا عقوبات تنصف هكذا نوع من الجرائم الهائلة.
انما ألا تستحق جريمة كهذه تعديلات وتشريعات تصوب التحقيقات وتضع حدا للعراقيل والثغرات القائمة؟ أليس انصاف وطن بأكمله أسمى من الالتزام بحرفية نصوص يتذرع بها القتلة والمجرمون؟
في وطن ينزف كل يوم، وبات الالم قوته اليومي، كل ما يبتغيه المواطن المعدوم عدالة، وقضاء، ومحاسبة ترطب جرحه وتخفف ألمه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s