كتبت فرح نصور في صحيفة النهار:

مع دخول لبنان مرحلة رفع الدعم غير المباشر، وفي خطوة سريعة، أصدر مصرف لبنان قراراً يُلزم المصارف بالبدء بتسديد ودائع المودعين عبر تسديد 400 دولار (fresh dollars)، إضافة الى ما يوازيها بالليرة اللبنانية للحسابات التي كانت قائمة بتاريخ تشرين الأول من سنة 2019، وكما أصبحت هذه الحسابات في آذار 2021. وبدورها، أبدت جمعية المصارف ايجابية، مؤكدة العمل على تسديد الجزء الأكبر من الودائع بالعملات الأجنبية للمودعين الصغار. أسئلة كثيرة تدور حول هذه السرعة بالأداء والتجاوب، أوّلها من أين ستأتي المصارف بالأموال لإعادتها؟ ولماذا اختيار هذا التوقيت بالتحديد وليس سابقاً لإعادة الأموال إلى أصحابها؟ وما هي حسابات المركزي لإعادة الأموال، لا سيما مع دخول البلاد مرحلة رفع الدعم؟

“ما يُطرح اليوم من إعادة الودائع للمودعين هو نتيجة الإدارة الفاشلة للانهيار الحاصل، إذ كان من المفترض وجود خطة متكامِلة من ضمنها إقرار قانون الـ “كابيتال كونترول” وتوزيع الخسائر وإجراء المفاوضات مع صندوق النقد الدولي وغيرها من الإجراءات التي من شأنها الحدّ من الانهيار منعاً لوصولنا إلى ما نحن عليه اليوم”، هكذا يقرأ الخبير الاقتصادي، جان طويله، إعادة أموال المودعين.

ويرى طويله أنّه في تشرين الثاني 2019، كان ثمة نحو 31 مليار دولار من الاحتياطي الإلزامي، وفكرة وجوب إقرار قانون الكابيتال كونترول حينها كان لوضع أرضية شرعية ومنعاً أيضاً للوقوع في مشاكل على غرار القرار الذي أصدره مجلس شورى الدولة والقاضي بوقف تنفيذ تعميم مصرف لبنان 151 وإلزام المصارف بالإفراج عن الأموال، وفق عملة الحساب المفتوح. وقد جاء هذا القانون لحماية ما تبقّى من ودائع الناس وتوزيع الأموال بطريقة استراتيجية وعادلة، لا سيما لحماية صغار المودعين.

وفي قراءة لحسابات المركزي للقيام بهذه الخطوة، يعتبر طويله أنّ خلال الفترة السابقة، لم يُرد المعنيّون إقرار هذا القانون، وأُنفق على سياسة الدعم الفاشلة حوالي 10 مليار من الاحتياطي الإلزامي أي من ودائع الناس. واليوم، ما تبقّى من هذه الودائع لا يمكن المس به، وفي الوقت نفسه، لا يمكن إنفاقه على سياسة الدعم مع نفاد احتياطي المركزي بالعملات الأجنبية للاستمرار بدعم السلع الأساسية. لذلك، ارتأى حاكم مصرف لبنان أنّ في ظلّ عدم قدرته على الدعم، ولعدم إرادته المس بالاحتياطي الإلزامي، أن يعيد هذه الأموال إلى المودعين في خطوة تجنّبه أيضاً تمويل البطاقة التمويلية، وفق رأي طويله.

وفي حين أنّ إقرار البطاقة التمويلية يحتاج إلى بضعة أشهر، رأى المركزي أنّ إعادة أموال المودعين الصغار تمثّل خطوة في الوقت المناسب. ففي الحالتين، كان سيدفع هذه الأموال نقداً عبر البطاقة التمويلية، إلّا أنّه الآن يمكنه رفع الدعم بالتوازي مع توزيع جزء من ودائع الناس نقداً بالعملات الأجنبية وجزء على سعر المنصة، و”بذلك يكون كمَن عوّض بطريقة أو بأخرى على الناس عن تداعيات رفع الدعم، والناس سيفرحون أنّ أموالهم عادت إليهم، وأحداً لن يلوم المركزي بأنّه مسّ بالاحتياطي الإلزامي في هذه الحال”، وفق تقديرات طويله. لكن الحقيقة، أنّ الناس دفعوا طوال فترة هذه الأزمة أضعاف ودائعهم، وخطوة المركزي هذه كان من المفترض أن تُطبَّق منذ بداية الأزمة، إذ حينها كانت قيمة الاحتياطي الإلزامي أكبر.

وفي هذا الإطار، يشير طويله إلى أنّ “الأزمة الاقتصادية لم تُحلّ أبداً لا بل على العكس هي تأزمت أكثر، والواقع أنّ إعادة أموال المودعين لا تمثل حلحلة للأزمة، وما سيتقاضاه المودعون، ولو بالدولار، لن يشكّل أي فرق في حياتهم، إذ مع رفع الدعم الأسعار سترتفع. كذلك، الخطوة المرتقبة ليست دليلاً على أنّ وضع المركزي أفضل الآن، إنّما الحقيقة أنّ المركزي لم يعد يملك أي خيار”. وعن التقدم المحرز في دراسة مشروع قانون الكابيتال كونترول وتزامنه مع قرار حاكم المركزي، يفيد طويله أنّ الإصلاحات كانت مطلوبة منذ أوائل الأزمة، وحالياً، وجد المعنيّون أنّهم مجبرون على إعادة ما تبقى من هذه الأموال إلى أصحابها إذ نفدت كل الحلول لديهم، وليس مستغرباً أبداً إقرار قانون الكابيتال كونترول الآن، إذ فُرض عليهم إقرار هذا القانون بعدما نفدت جميع الأموال القابلة للإنفاق.

من جهة أخرى، وفي حديث لـ “النهار”، يلفت مصدر مصرفي إلى أنّ “خطوة المركزي قابلة للتنفيذ إذا ما حلّ الاستقرار في لبنان، وإذا ما التزمت الدولة اللبنانية ببعضٍ من إعادة هيكلة سندات اليوروبوندز اللبنانية، والتزمت كذلك بتطبيق الحد الأدنى من الإصلاحات”.
ويرى المصدر أنّ “المركزي لديه التزامات دولية من الآن حتى سنة، أي إلى حين موعد الانتخابات النيابية، فكلّ شيء في لبنان حالياً تأجّل إلى هذا التوقيت، والمجتمع الدولي أمّن رواتب الجيش وقوى الأمن الداخلي والأمن العام من الآن حتى هذا التاريخ، ووظيفة حاكم المركزي حالياً هي تهدئة الوضع النقدي والاقتصادي حتى موعد الانتخابات المقبِلة، في خطوةٍ للحدّ من الانهيار، كي يصل البلد إلى هذا الاستحقاق”. وعن اختبار إعلان خطوة إعادة أموال المودعين في هذه الظروف وليس قبل، يقول المصدر إن “المعطيات تغيّرت وعلى رأسها عدم تشكيل الحكومة حتى الآن، والناس يتطلّعون إلى انتخابات العام المقبل، وقد أكّد حاكم المركزي أنّ الأزمة لم تعد بالاقتصاد إنّما بالسياسة وحلّها في السياسة”. والمركزي سيتفاوض مع المصارف، و”سنشهد تغيّراً لا سيما في الموسم السياحي خلال الصيف الواعد، فهذا سيؤدّي إلى دخول الدولارات، والمركزي سيستخدم جزءاً منها لإعطائها للمودعين”، وفق المصدر.

ويضيف أنّه لا يرى أنّ إقرار قانون الكابيتال كونترول يدخل في حزمة مع إعادة أموال المودعين، إذ “لن يحصل أي شيء من هذا في ظل غياب تشكيل حكومة”. وتجدر الإشارة إلى أنّ المبالغ التي ستسددها المصارف في أول سنة، ستدفع من حساباتها لدى المصارف المراسِلة في الخارج والتي تراوح بين مليار ومليار ومائتي مليون دولار أميركي. كما ستتمكّن المصارف من سحب المبالغ نفسها من مصرف لبنان مقابل توظيفاتهم الإلزامية. كذلك، يتزامن تسديد الـ 400 دولار “فريش” شهرياً مع تسديد المبلغ نفسه بالليرة اللبنانية على أساس سعر منصة Sayrafa. وخلال أول سنة من تطبيق هذا التعميم، تُسدَّد كاملة أرصدة حسابات 000 800 عميل، أي ما يقارب 70% من عدد حسابات المودعين.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s