قد لا يعجب البعض العنوان أو التوصيف المعطى خاصةً أنه لا بد من الإقرار بأننا لم نرى تضامناً بهذا الشكل بين أطياف المجتمع اللبناني كالذي شهدناه في الأيام الأولى لانطلاق شرارة ما سمي “بثورة 17 تشرين”.
لكن للأسف هذا التاريخ خصوصاً بعد انقضاء الأيام الأولى، أظهر الصورة الحقيقة لأغلبية الشعب اللبناني، وأن المشكلة الأساسية التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه لا تكمن فقط في المنظومة أو السلطة الحاكمة والتي مللنا انتقاضها كونها فضحت داخلياً وخارجياً بشكل لا ريب فيه، بل في فكر الشعب اللبناني بأغلبيته ونظرته نحو مفهوم الدولة والمواطنة والضياع الذي يتخبط فيه دائماً.
مع الإشارة إلى وجود جزء فعلاً يحلم ويطمع لإحداث تغيير وبناء دولة القانون حيث تحترم الدستور، ودولة علمانية يتساوى المواطن فيها كما نصت على ذلك مقدمة الدستور اللبناني، لكن للأسف حتى هذا الجزء من الشعب إما هو من المغتربين أو من الشباب المقيم الذي قرر الهجرة بعد أن ضاق ذرعاً من الانهيار المالي، الأخلاقي، والفكري الذي وصلنا إليه.
وهنا ما يجعلنا نشعر بالحزن، خاصةً بعد المهزلة التي قامت بها القاضية غادة عون والعراضة الإعلامية والميلشياوية التي ظهرت بها ضاربةً هيبة الدولة بكل صورها حتى العسكرية منها، كونه حتى في زمن الاحتلالات التي مرت على لبنان وآخرها الاحتلال السوري لم نرى مثل هذا الاستعمال المدمر و”المسخرة” لتلك المؤسسات كما رأيناه أمس وفي تصرفات سابقة.
بالعودة إلى النقطة الأساسية، بعد ما حصل بالأمس نرى بأن السلطة الحاكمة وللأسف هي الأفضل في تمثيل أغلبية اللبنانيين، فهي تعلم أننا شعب له ذاكرة قصيرة ويهوى قلب المآسي لأفراح تحت ذريعة “طير الفنيق المنتفض” وكيف لها القدرة على دغدغة مشاعره بمثل العراضة التي حصلت بالأمس أو باستخدام المؤسسات الإعلامية لنشر ملفات لأسباب كيدية وتوصيل رسائل بين بعضهم البعض من جهة أخرى لاعبةً على مشاعر الشعب لتحويل أنظاره ومسار التغيير الذي قرر يوماً ما سلوكه ورفع الصوت عالياً كما في أيام الحراك الأولى كما سبق وأسلفنا.
إذاً هذه المافيا الحاكمة تعرف نقاط ضعف المحكومين من قبلها، فحين المستفيد الأول هي الميليشيا “الحاكمة الفعلية” والتي تعتبر المستفيد الأول من الفوضى التي نتجت عن هذا الحراك حيث استخدمته لتنفيذ نقاط عدة تخدم أجندتها، أكان بمعرفة المجموعات “الحزب-ثورية” أو لاعبةً على أوتار المشاعر “الثورية” لبعض المنتفضين الحقيقيين بالتعاون مع المافيا الحاكمة أيضاً كما امتهنوا اللعب على الأوتار الطائفية.
17 تشرين أظهر حقيقةً أن أغلبية الشعب اللبناني لا تريد ثورةً فعلية بل تهوى الفوضى من جهة وقطع الطرقات وإنتظار الكاميرات لإلقاء خطابات بالية كتلك الصادرة عن المنظومة الحاكمة، وكتابات الشعر وحلقات الدبكة حتى وصل الحال للتباكي على مجزرة 4 آب والعودة إلى إستكمال حياته اليومية قاتلاً ضحايا المجزرة مرتين.
وبالتالي نحن شعب لا يتعلم من ماضيه، فها نحن نعيد أخطاء الماضي معتمدين على الخارج لذي إلى جانب أن كل ما يهمه هو تحقيق مكاسب ومصالحه، فهو يفاوض أيضاً الطرف الأقوى مع الإشارة إلى أن منظومة المافيا والميلشيا لا تزال الأقوى بعد الاستعراض الذي قام به الرئيس الفرنسي ومبادرته التي لم تولد ميتة فحسب إنما تمكنت من تعويم الأخيرة، إضافةً إلى التصريحات التي صدرت عن المسؤولين الأميركيين وحتى من بعض الأصدقاء في دول الخليج بأنه لا “يوجد معارضة حقيقية”.
هذا الكلام بالطبع نتاج ما سبق وذكر من تصرفاتنا كشعب، فهو أيضاً كلام خطير يعيدنا إلى ما سبق وذكرناه أننا نعيد كتابة التاريخ بشكل خاطئ، فكما تم سابقاً وضعنا تحت الاحتلال والوصاية السورية بمباركة الخارج فنحن اليوم أمام إعادة السناريو عينه بهيمنة إيرانية عبر ذراعها الميليشياوية.
إذاً 17 تشرين فضح أننا شعب لا نزال ننظر إلى المسؤول بنظرة “الولي”، منتظرين تصدقه “بكرتونة”. كم أن شعبنا لا يزال يرى في “العسكرة” حلاً للخروج مما نحن فيه فحين أن هذا النوع من الأنظمة سقط في معظم الدول حتى الشقيقة منها، متناسياً أن منظومة المافيا والميلشيا من أولى خطتها كان وضع يدها على المؤسسات العسكرية خاصةً بعد الحرب حيث أجندت أزلامها من مجرمي الحرب أمثالها في تلك المؤسسات لضمان بقائها.
بالتالي الإشكالية الأساس هنا أننا أمام شعبٍ لا يفقه معنى الثورة وما يجب أن تنتجه وليس مقتنعاً بضرورة التغيير الجذري وصولاً لتحقيق العدالة الانتقالية التي تسمح بالتطهير للوصول لبناء دولة وجمهورية بكل ما للكلمة من معنى.
إذاً في نهاية المطاف على من يعتبر نفسه معارضة من “حراك 17 تشرين” وحتى بعض الأحزاب التي لا مصالح متقاطعة مع هذا الحراك أن يعوا أن محاربة هذه المنظومة لا يكون بإنتظار إنتخابات مبكرة من هنا أو مبادرة خارجية من هناك، لأن ذلك لا يجدي نفعاً وأنه واجب التحرك اليوم قبل الغد لخلق جبهة معارضة حقيقية تفرض على الخارج خاصةً عبر مجلس الأمن بإصدار قرار مشابه للقرار 1559 لرفع الوصاية أو الهيمنة الإيرانية، وإلا كما سبق وذكرنا وعلى طاولة المفاوضات وتقاطع المصالح سيعمد الخارج إلى التفاوض على “جثة” لبنان المتحللة وتسليمها لأقوى.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s