تحقيقات انفجار المرفأ… “سقطت سهوًا” أم وقعت ضحية الضغوطات؟ ـ لوريس طاشجيان

on

“الوطن ليس أكثر من عادة. والبشر عبيد عاداتهم. ولأنهم عبيد عاداتهم تراهم قسَّموا الأرض إلى مناطق صغيرة يدعونها أوطانهم”، بهذه الكلمات وصف الكاتب اللبناني ميخائيل نعيمة الوطن في كتابه الشهير، مذكرات الأرقش. للأسف هذا ما آلت إليه الحال في أوطاننا، فالوطن لم يعد سوى بقعة أرض نعيش عليها. فقدنا حسّ الوطنيَّة، فقدنا الانتماء، فقدنا حبّ الأرض التي أعطتنا لسنوات وسنوات من دون أي مقابل… ليس كلنّا بل أكثرنا. أضحى الوطن مجرد فندق، نبيت فيه حين يزدهر ونهجره حين يتعثر.
قساوة هذا الكلام نابعة عن عدم اكتراث قسم كبير من اللبنانيين إلى ما آلت إليه التحقيقات في قضية المرفأ وعن هجرة كثر من الوطن بعد هذا الانفجار، الذي صُنف ثالث أكبر انفجار في العالم بعد هيروشيما وناكازاكي، إذ أسفر عن 204 قتلى وأكثر من 6000 جريح، كما شرد العديد من العائلات اللبنانية إثر فقدان منازلهم عقب هذا المصاب الأليم.
مرَّ على هذه الجريمة 7 أشهر…لكن أين التحقيقات؟
في الثالث عشر من آب، اقترحت وزيرة العدل ماري كلود نجم اسم القاضي فادي صوان لاستلام قضية المرفأ. ومنذ تاريخه، وجَّه القاضي صوان اتهامات إلى أكثر من 37 شخصاً، 25 منهم محتجزون وهم من ذوي الرتب.
عاد صوان وطلب من البرلمان التحقيق مع وزراء حاليين وسابقين للاشتباه بارتكابهم مخالفات أو جرائم على صلة بالانفجار. إلَّا أن القاضي صوان أغفل نقطة قانونية مهمة، ألا وهي أن التحقيق مع الوزراء هو من اختصاص المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء وليس من صلاحيات السلطة التشريعيَّة. هذا كان أول خطأ قانوني قام به القاضي المعني.
بالإضافة إلى ذلك، وفي منتصف شهر كانون الأول، ادَّعى القاضي العدلي صوَّان على رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب و3 وزراء وهم علي حسن خليل، غازي زعيتر ويوسف فنيانوس، بتهمة الإهمال، التقصير، التسبب بالوفاة وجرح مئات الأشخاص؛ هذا الأمر أثار اعتراض عدة أطراف سياسية منها رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري وحزب الله وحركة أمل بما أن زعيتر وخليل مقربين من رئيس مجلس النواب نبيه بري.
غير أن القاضي صوان فرّط بأمر قانوني مهم وهو أن هؤلاء الوزراء الثلاثة يتمتعون بحصانتين أساسيتين، الأولى نيابيَّة (زعيتر وخليل) والثانية لكونهم محامين. وبحسب المادَّة 40 من الدستور اللبناني فإنه لا يجوز أثناء دور الانعقاد اتخاذ إجراءات جزائيّة نحو أي عضو من أعضاء المجلس أو إلقاء القبض عليه إذا اقترف جرماً جزائياً إلَّا بإذن المجلس ما خلا الجرم المشهود. وبحسب المادة 79 من قانون تنظيم مهنة المحاماة فإنه باستثناء حالة الجرم المشهود، لا يستجوب محام عن جريمة منسوبة إليه قبل إبلاغ الأمر لنقيب المحامين الذي يحق له حضور الاستجواب بنفسه أو بواسطة من ينتدبه من أعضاء مجلس النقابة.
كحصيلة لهذا الموضوع، قدّم كل من خليل وزعيتر مذكرة أمام النيابة العامة التمييزيّة طلبا فيها كفّ يد القاضي صوان عن متابعة التحقيق بالملف وتعيين قاضٍ آخر متذرعين بالارتياب المشروع، فتوقفت بعدها التحقيقات لشهرين قبل أن يعود ويستأنفها في الأسبوع الثاني من شباط في حين انتظار البتّ بطلب الوزيرين.
وفي الثامن عشر من شباط صدر الحكم الرامي إلى “نقل الملف” من القاضي صوان إلى قاضٍ آخر وهو القاضي طارق بيطار الذي تمَّ اختياره بعد أيام عدة.
مع نقل القضية من قاضٍ إلى آخر وفي انتظار أن يدرس القاضي الجديد ملف الدعوى من البداية والقيام بكل التحقيقات اللازمة، لم نعد ندري متى سنتمكن من الحصول على جواب واضح وصريح لمعرفة من هو المسؤول عن هذا “التفجير”. وهل القاضي صوَّان، الذي كما كل الشعب اللبناني يريد بناء دولة خارج الدويلات، سقطت منه الأخطاء القانونية “سهوًا” أم أنه وقع ضحية الضغوطات السياسيّة؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s