صراع “آلهة الطوائف” وأجيال لبنان ـ خالد كوسا


غريب هو ذاك البلد الذي كان يوماً “سويسرا الشرق” وملتقى الحضرات وملجأ لكل حر وبالفعل كان الهلال معانقاً الصليب في الأتراح و الأفراح وعاصمته بيروت “أم الشرائع”. لنراه اليوم دولة فاسدة بكافة مؤسساتها، دولة بوليسية، ومناطق متقوقعة طائفياً. فيما “أم الشرائع” منكوبةً تنتهك فيها كرامات كل حر من صحافيين، محامين حتى الطلاب، جميعهم يحكمون بشريعة الميليشيات المتمثلة تارةً بوزراء ونواب يفقهون التحايل حول ثغرات دستورنا ضاربين اعتقاد المشرعيين السابقيين بحسن نوايا من يأتون بعدهم ليكونوا الأمناء على هذا الدستور عرض الحائط، وتارةً أخرى بشبابٍ غرر بهم لإفداء الطائفة وحماية الوجود، وفي الحقيقة هم يفدون “القادة” وعائلاتهم.

غريب وعجيب هو ذاك الشعب، أين هم رجالات الإستقلال؟ أين هي ثورة الفلاحين؟ أين هم شهدائنا الذين أصبحوا مجرد تماثيل وحجر وصور تعلق مع بعض الكلمات أو المقاطع التي ندرسها. أليس من العجيب أن نربي أجيالا على تاريخٍ مرّ عليه مئات السنين؟ هل بالفعل نحن شعب غير قادر على كتابة تاريخه الحديث خوفاً من الإختلاف على من كان على حق؟ أو من كان يناضل حقاً لقضية؟ أم أنه بالحقيقة جميعنا نعلم أنه لم يكن هناك يوماً قضية؟ أنخجل من الإعتراف بأن فواتير دم دفعت من أجل “محافظات طائفية”؟ وإذا ما أردنا الحديث بالسياسة فقط لما لا نكتب تاريخنا الأدبي والفكري و الفني المعاصر؟ هل لأنه لم تعد لنا حتى هوية فنية وأصبح الـ”Tiktok” منصةً لشهرة العاطلين عن العمل؟ أما عن المفكرين فحدث ولا حرج كونه هناك صورتيين لهذا الواقع، الأولى هي أنه أصبح الشعر يكتب على وقع “دربكة النرجيلة” وصحن الحمص والثانية أن مُفكّرينا باتوا خارج البلاد أو تحت التراب، وما المثال إلا أنه في زمن “الثورة” كم نفتقد للشهيد سمير قصير وكلماته
. أما جيلنا الذي نتغنى بأنه جيل التكنولوجيا وحرية التعبير فقد أصبحت المنصات الإلكترونية منطلقاً لمن لم يحمل كتاباً يوماً ليكون الـ”influencer”، في حين نرى أيضاً المجتمع يُدار بالتوقعات وكأنه ينقص شعبنا العظيم حجةً ليجلس متأملاً ومنتظراً لأملٍ من دون أن يتعب نفسه لتحقيقه.
أما المؤسف المبكي من كل ما تقدم ليس الإنحدار الذي نعيشه على كافة المستويات، بل قدرة الشعب اللبناني على التأقلم بسرعة، إضافةً إلى قصر الذاكرة لديه وتحويل النكسات إلى مناسبات شعرية ورثاء ومهرجانات من دون أن يحرك ساكناً.
غريب، ألم يعد هناك من وطني واحد ينتفض لعاصمته المنكوبة؟ ألم يتقمص أحد “شخصية” طانيوس شاهين ويخرج بثورة تنقذ معظم الشعب اللبناني الذي أصبح تحت خط الفقر؟ ألم يعد هناك رجال دين كالبطريرك الحويك؟ على ما يبدو، تقمصت طبقة صغيرة روح ونفسية الإقطاع وتوسع بطشهم وجوعهم للسلطة، لا بل عدنا إلا ما قبل السيد المسيح والأديان السماوية حيث أصبحنا قبائل ولكل قبيلة إله، نعم هكذا هي حال بلادنا أصبح كل زعيم إله، لا بل قد يكون في بعض المناطق عدة آلهة لا وبل أكثر أصبح إله المنطقة ينشر آلهةً صغيرةً في كل حي لينشروا تعاليمه وقدراته “الإلهية” بحجة حماية رعاياه من زملائه الآلهة الأخرين.
بالنهاية، يسألون لما التشاؤم وغياب النظرة الإيجابية، كونه لا بد من أمل قريب و”القصة غيمة وبتمرق”؟ لأن الأمل مفقود بمجتمعٍ عليل فاقد لأدنى القيم الأخلاقية وبشعبٍ يفتك به مرضٌ عضال يسمى “العادة والتعود” لدرجةٍ أنه لم يستطيع ولو لمرة واحدة فرض تغييرٍ بقوته إنما دائما ينتظر أوامر “آلهته” الذين يستخدمونه تنفيذا لأوامر “آلهة” الخارج.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s