اكتساب المعرفة التي لا يمكن استخدامها للعمل هو وسيلة أكيدة لتحويل انسان الى متمرد

اخترت هذه المقولة للمفكر والطبيب غوستاف لوبون، في كتابه “سيكولوجيا الجماهير”، لإشارة الى مسألة تساهم في توطيد الخلل في البنية الاجتماعية اللبنانية ولا تحظى بكمية الاهتمام التي تستحق، وتتمثل تلك المسألة بالنظام التعليمي اللبناني

تسلّل نظام التعليم الغربي الى بلادنا، أي الأراضي التي كونت لاحقاً الكيان السياسي الذي سمي بـ”لبنان الكبير”، في القرن التاسع عشر. في ذلك الوقت، شكلت الإرساليات الأجنبية مدخلاً للتوغل الغربي في أراضي السلطنة العثمانية، وموطئ قدم مهد للتقارب بين القوى الغربية والسكان المحليين. انبثق عن التنافس الحاد بين الإرساليات الإنجيلية واليسوعية مؤسسات تعليمية ومعاهد ومراكز تربوية، أبرزها الجامعة اليسوعية والكلية السورية الإنجيلية، التي عرفت في ما بعد بالجامعة الأميركية في بيروت. مع سقوط السلطنة العثمانية، رجحت الكفة لصالح المذهب التعليمي اللاتيني الفرنسي، على حساب الانغلوساكسونية، وساهم الانتداب الفرنسي في وضع ركائز المناهج التعليمية التي لا تزال قائمة الى يومنا هذا. من أبرز الطروحات الإصلاحية التي ترددت في الآونة الأخيرة لحل الأزمة اللبنانية: تحويل الاقتصاد من الريعي الى المنتج. ويجدر السؤال، لو أردنا مقاربة الطرح من الناحية الواقعية، هل من الممكن اقامة اقتصاد منتج، في ظل نظامنا التعليمي الحالي؟

التعليم في لبنان، كما في الكثير من دول العالم، قائم بأكمله على معادلة وهمية، تربط بين كمية الكتب التي يستطيع الطالب حفظها وبين مستوى ذكائه. تفترض تلك المعادلة أن اغراق التلميذ بالمعلومات والكتب المدرسية يرفع من مستوى الذكاء وجهوزية الانضمام لسوق العمل، بينما يتطلب “الاقتصاد المنتج” قدرات ومهارات تتجاوز تكديس الطالب للمعلومات مؤقتاً للجلوس في قاعة الإمتحان، لتتبخر المعلومة من ذهنه فور خروجه من القاعة. ولا داعي للإشارة أن الشاب اللبناني لا يمتلك تلك المهارات

إن المهارة لا تكتسب بالكتب وبالعلوم النظرية البحتة بمفردها، بل من خلال تراكم التجربة العملية والخبرة المباشرة، التي لا يسمح نظامنا التعليمي كما هو ببلورتها وتدريبها. انطلاقا من تلك الحقيقة، تأتي أهمية ادخال التعليم المهني تدريجيا ليكمل مناهج التعليم النظري، من أجل تأمين فرصة الاحتكاك المباشر مع الأعمال والنشاطات التي تشكل قاعدة الاقتصاد المنتج، من خلال التدريب والتدرج  الهادف الى بلورة قدرات الشباب المهنية وتفتّح مواهبهم وكفاءاتهم القابعة في قفص التعليم النظري البحت، الذي يخرّج سنويا اكثر من عشرين ألف عاطل عن العمل

من بوابة التعليم المهني، يعود الشباب الى المصانع والمؤسسات الزراعية وورش العمل، كمشرفين ومهندسين وخبراء وحتى كعمال لو ارادوا، بشرط تأمين شروط لائقة للعمل تتيح لهم فرصة بناء مهنة مستدامة وتوفر لهم معيشة كريمة. يقتضي على مشروع الاقتصاد المنتج، اذا اراد الارتقاء من المستوى الشعبوي الى مستوى التطبيق العملي، أن يترافق مع مشروع اصلاحي يسعى لتطوير التعليم المهني وتعزيزه، ويرقّي الزراعة والصناعة فعلياً من مهن محتقرة الى نشاطات حيوية مرغوبة ومحترمة

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s