مجلس النقد في لبنان: حل نقدي أو نقاش عقيم آخر؟ ـ سماح زياد حيدر

توالت الحلول والمصطلحات التقنية المنفردة التي تزج أسبوعياً على الساحة اللبنانية المنهارة، بقصد إلهاء اللبنانيين بنقاشات فرعية عقيمة لاتقدم ولا تؤخر. ابتداءً من الـ”هيركات” والـ”بيل أوت”، وصولاً الى الحل النقدي المستجد للجم انهيار العملة وكبح جماح وتيرة التضخم، عبر اعتماد آلية مجلس النقد

مجلس النقد عبارة عن نظام نقدي يتولى مهمة طباعة العملة وتحديد حجم الكتلة النقدية المعروضة، عبر ربط العملة الوطنية مباشرة بموجودات عملة أجنبية أو سلة عملات، إذ يمنع طباعة أي ورقة من العملة المحلية، ما لم تقابلها وتغطِّ قيمتها الاحتياطات بالعملة الأجنبية. والجدير ذكره أن هذه الآلية تقيد عمل المصرف المركزي، الذي يجرّد من صلاحياته التقليدية التي تتضمن طباعة العملة لتغطية عجز الدولة ونفقاتها، والتدخل في الأسواق المالية إما مباشرة أو عبر الأدوات التحفيزية كالقروض والفوائد

لا شك أن الإقتراح يبدو مثالياً بالنسبة للدول التي تعاني من أزمة إنفاق، حيث يزيد انفاقها عن قدراتها الإنتاجية وحجم اقتصادها. يعالج المجلس تلك المسألة عبر ضبط عملية طبع العملات، مما يساهم بطبيعة الحال في إيقاف أو ابطاء ظاهرة التضخم وانهيار العملة. يتضح ذلك في الدول التي اعتمدت هذا النموذج، كبلغاريا والبوسنة، إذ لعب مجلس النقد دوراً مفصلياً في تحقيق الإستقرار النقدي

لكن المفارقة أنه في الدول المذكورة، لم يأتِ خيار مجلس النقد منفرداً وفرعياً، بل اندرج ضمن خطة مالية شاملة واستراتيجية نقدية هادفة، رافقتها اصلاحات سياسية واعادة هيكلة لعمل المؤسسات المالية. فكيف اذاً، يطرح مجلس النقد في لبنان، حيث جوهر الأزمة ليس نقدياً بل سياسياً، والمشاكل النقدية لا تتعدى كونها عوارض العجز السياسي البنيوي المزمن والقطاع المصرفي المتعثر، بالإضافة لحصار دولي وتبدلات اقليمية خطيرة؟

مستغرب للغاية طرح مجلس النقد قبل إيجاد حل لأزمة المصارف وتوزيع خسائر القطاع المصرفي وفق صيغة تراعي العدالة والمنطق. خاصة ان المصارف تدعي أن خسائرها ديون في ذمة الدولة، وبالتالي تستعد لوضع اليد على أملاك الدولة لتحصيل ديونها المستحقة. بهذه الحالة، كيف ستؤمن الدولة موجودات خارجية صافية لتغطية طباعة العملة، اذا اعتبرنا أنها مدينة للمصارف والمصرف المركزي؟

نستنتج ، بعد ما تبين من اشكاليات عالقة، أن مجلس النقد ليس الا موضوع جديد يضاف الى ساحة النقاشات الأسبوعية، في الوقت الذي تستمر السلطة في تجاهل الحل الحقيقي الذي يبدأ بالإقرار الصريح بالخسائر وتوزيعها تمهيداً لإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتهرب الى الأمام غير مبالية للخسائر الهائلة التي يتكبدها اللبنانيون يومياً عبر الإقتطاع من سحوباتهم، ضمن سياسة واضحة تقضي بتوظيف المجتمع بأسره خدمة لتقليص خسائر المصارف المفلسة. تلك السياسة، التي لو اعتمدت في أي بلد آخر، لم تكن لتكتفي بإسقاط حكومات، بل تسقط دول

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: