الفيدرالية في لبنان:تعدد أو تقسيم؟ ـ سماح زياد حيدر

رافق طرح “الفدرالية” الأزمات السياسية اللبنانية بأشكالها المختلفة، فكان من ثوابت مشروع “الجبهة اللبنانية” أيام الحرب، حيث قُدم النظام الفدرالي كحل نهائي للأزمة اللبنانية المزمنة، يحفظ التعددية ويراعي هواجس الأقليات. اليوم، بعد ٣١ سنة من “العيش المشترك” الذي أعقب الحرب، يكثر الحديث عن “زوال لبنان” اذا استمرت السلطة في المسار التي تتشبث به رغم كل التحذير و”العتب” الدولي

إن زوال “دولة” وشعب بأكمله بالمعنى الحرفي  لا يمكن تصوره، لذا، نفترض أن الحديث عن الزوال في سياق الواقع السياسي يمكن أن يعني أمرين: ذوبان “لبنان الكبير” وانصهاره اكراها بدولة تفرض الوصاية المباشرة عليه، وانحلال الكيان اللبناني الذي نعرفه وبروز “كيانات” جديدة على أنقاضه، مغربلة طائفياً بطبيعة الحال. وهذا يعني زوال لبنان “الرسالة” والنموذج “الفريد”، الفرادة نفسها التي تترجمت بنظام طائفي أعاق جميع أفق الإصلاح على صعيد السياسة والاقتصاد والاجتماع

وبما أن الخيار الأول مستغرب ومستبعد في عصر اضمحلت فيه العلاقات الاستعمارية المباشرة لصالح الاستعمار المقنّع وكذبة “تقرير المصير”، يجرنا الحديث مجددا الى الفدرالية

رغم كون النظام الفدرالي طرحاً قديماً لحل مشكلات أقدم، تبقى المقاربات التي تعالج الفدرالية من باب العلم والواقع قليلة ومحصورة، بينما تكثر في المقابل تلك التي تشيطن الفدرالية وطارحيها عبر نسبها لمشاريع صهيو ـ أميركية ـ امبريالية (كأن السيطرة الإمبريالية لا تتحقق الا عبر التقسيم)، وتلك التي تقدم الفدرالية على الطريقة الصبيانية بما هي “كبسة زر”، تحل جميع مشاكلنا فورا في حال تطبيقها. فإذاً، اخترنا الطريق العلمي لنقد الفيدرالية، عبر مناقشتها بما هي نظام للحكم تنتهجه مجموعة وازنة من دول العالم، متجاهلين العوامل الخارجية مؤقتا، دون الإنزلاق نحو اظهار النظام كعصا سحرية تختفي فور التلويح بها كل أزماتنا والمشاكل

قبل اتخاذ الموقف النهائي من النظام الفدرالي، أكان ايجابياً أو سلبياً، يتوجب على صاحب الطرح أو الرأي أن يلقي نظرة على الدول التي اعتمدت هذا النظام، وألا يكتفي بتقييم مستوى النجاح عبر الإنبهار بمعدلات الإزدهار و”الرقي” التي تنعم به تلك الدول، بل عليه أن  يتجاوز تلك المقاربة السطحية العقيمة، نحو دراسة موضوعية لمقومات النظام، ومدى انطباق تلك المقومات على الحالة اللبنانية

بشكل عام ومبسط، تحتاج التجربة الفدرالية الناجحة الى الخصائص التالية

١- مجلس مركزي قوي وموحد، مهمته فض النزاعات بين الكانتونات وفرض القرار الذي يتماشى والمصلحة العامة ككل، في حال الخلاف بين الكانتونات أو الولايات في أمور الإنماء وتوزيع الموارد والتجارة الداخلية والخ

٢-جيش قوي موحد قادر على حماية الأمن الداخلي للولايات درءاً لنشوء ميليشيات محلية مسلحة تتخذ على عاتقها مهمة حماية “منطقتها”، بالإضافة الى مهمة صد أي عدوان خارجي واخماد حركات العصيان الإنفصالية وهذا الشرط يكمّل الشرط الأول

٣-سياسة خارجية موحدة، تنعكس بقدرة المجلس المركزي على تحديد بشكل نهائي وجامع الدول الحليفة للدولة اللبنانية والدول العدوة، ليسري هذا التصنيف على جميع المقيمين، حائلاً دون تكوين الكانتونات لعلاقاتها الخارجية الخاصة مع الدول التي تترتبط بها طائفياً، مما سيقوّض فرصة بناء دولة حقيقية ويزج جميع اللبنانيين في صراع أبدي وسباق ديمغرافي تنفجر مفاعيله في كل حين على شاكلة حرب أهلية وما يرافقها من مخاوف وجودية 

٤-توزيع عادل وهادف للسكان والموارد. يصعب علينا تخيل تحقيق هذا الشرط دون رؤية واستراتيجية واضحة تفصل مرحلة الإنتقال من اقتصاد ارتكز على مدينة بيروت بما هي قطب تجاري ونقطة جذب اقليمية منذ أواخر القرن التاسع عشر الى اليوم، وتوزيع سكاني يتسم رئيسياً بعدم التوزيع، حيث تتركز الأغلبية الساحقة من الحركة السكانية و العمرانية في مدينتين هما بيروت وضواحيها وطرابلس، الى نظام يحرص على توزيع العمار والسكن والإنماء بشكل متوازن على كافة الأراضي اللبنانية. والجدير ذكره أن هذه المهمة تبقى مستحيلة قبل اجراء احصاء جديد لعدد السكان وخصائصهم(آخر احصاء تم عام ١٩٣٢) لفهم التركيبة الاجتماعية  بما يسمح  باعادة توزيعها على الأراضي اللبنانية استنادا الى صيغة تتلائم مع مقدرات الدولة والثروات

بعد ذكر وشرح الركائز الضرورية لقيام الفدرالية الحقيقية ونجاحها، لا داعي للقول أن لبنان يفتقر الى جميع تلك المقومات. فأين الدولة المركزية القادرة على حسم النزاع واتخاذ القرار؟  أين الجيش الموحد في اشكالية السلاح الراهنة؟ أين خطة الإنتقال من اقتصاد المدينة المحورية الى اقتصاد العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص؟

تكمن الخطورة في حقيقة أن محاولة تطبيق الفدرالية “السويسرية” دون تأمين أعمدتها المذكورة، سيقود حتماً الى التقسيم الطائفي الصريح الذي سيتخذ طابع الإنفصال والإنعزال، لا التعددية. فالفدرالية ليست الأرضية التي نبني من خلالها الدولة، بل من الضروري أولا أن توجد دولة، لتتخذ شكل نظام الحكم التي تريد. حان الوقت لنشعر، كلبنانيين، أننا معنيون بما يجري حولنا من تغيرات وتقلبات، لا أن نقف متفرجين منتظرين قطف ثمار التسوية، كما يراد لنا أن نكون. لنجلس ونتحاور، ونختار، ولو لمرة وحيدة، أي لبنان نريد

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s