لبنان إلى الجمهورية الثالثة تحت وصاية دولية؟ ـ رامي الحج

on

مر لبنان بعدد من المراحل السياسية التي طبعت هويته وكيانه، شهد انتدابات، ووصايات، وحروب، أودت كل مرة الى ارساء مثل نظام سياسي أو بشكل ادق جمهورية جديدة تختلف عن السابقة. انتشل لبنان الاستقلال من الفرنسيين سنة 1943، وبعد هذا الاستقلال رسمت معالم أولى الجمهوريات اللبنانية فطبعت المرحلة السياسية بالميثاق الوطني وهو اتفاق غير مكتوب بين بشارة الخوري ورياض الصلح، وأبرز ما فيه أن يكون رئيس الجمهورية “مارونياً”، رئيس مجلس الوزراء “سنياً”، رئيس مجلس النواب “شيعياً” كما كان الخط العريض فيه على صعيد السياسات الخارجية بأن يقبل المسيحيون بالطابع العربي للبنان مقابل تخلي المسلمون عن مطلب ومطامح الوحدة مع سوريا

في الجمهورية الأولى تمتع رئيس الجمهورية في حكم البلد الى حد ما وبشكل منفرد، فكان الحاكم بأمره مع مروحة من الصلاحيات الواسعة تمتع بها. وكان الحكم مارونياً بامتياز، لكن هذه الجمهورية الأولى وإن بدت ستستمر الى الأبد، شهدت انتكاسة قوية أنذرت بتزعزع أعمدتها وكانت ثورة 1958 ضد عهد كميل شمعون. حينها كان لبنان على شفير حرب أهلية بين المسيحيين والمسلمين وخلفية هذه الثورة رفض الرئيس كميل شمعون قطع العلاقات مع دول الغرب التي هاجمت مصر في أزمة قناة السويس. كانت ثورة 1958 بمثابة “بروفا” للحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975 والتي كانت السبب بإنهاء الجمهورية الأولى مع وضع اتفاق الطائف عام 1989

 انتقل لبنان الى الجمهورية الثانية والتي رسم معالمها اتفاق الطائف الذي نقل بعض صلاحيات رئاسة الجمهورية الى رئاسة مجلس الوزراء، فكانت الجمهورية الثانية بثقلها تكمن عند رئاسة الحكومة وعند الزعيم السني. واتسمت هذه المرحلة بالطابع المالي البحت من جهة، وبالوصاية السورية من جهة ثانية، فكانت رئاسة الحكومة ترسم سياسات لبنان المالية مع الحكومة، أما الوصاية السورية فكانت شريك قوي في لعبة التعيينات وازكاء الشخصيات السياسية للمناصب في الدولة اللبنانية. وشهدت هذه المرحلة في بعض الأحيان اتفاق بين الحكم اللبناني والوصاية السورية وبعض الاحيان شد حبال بينهما، مع عدم انكار الطرف الثالث “حزب الله” الذي ترك الامر المالي وسياسات المالية لرئاسة الحكومة والحكومات وانكب على العمل العسكري والأمني. واستمرت هذه المرحلة أي الجمهورية الثانية الى أن وجه لها اكبر ضربة وهي باستشهاد رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري الذي كان ركيزة معالمها سنة 2005، وما تبعها بعدها من انسحاب للنظام السوري من لبنان. هذه الجمهورية استمرت بالرغم من تعرضها لكثير من الهجمات، وهنا نشير الى أن وصول 8 اذار الى الحكم بغالبية في مجلس النواب، ورئيس جمهورية لم يؤدي به الى تغييرها مع الذكر ان هذا المحور استمر في مهاجمة هذه الجمهورية الثانية بسياساتها المالية لكن حين وصل الى الحكم لم يغير شيئاً واحداً فيها. واستمرت هذه الجمهورية الثانية لحين اندلاع ثورة 17 تشرين الأول 2019  ليسقط الشعب اللبناني والمطالب المعيشية أركان الجمهورية الثانية والتي بنيت على السياسات والهندسات المالية

يصر الجميع داخلياً وخارجياً على سقوط النظام اللبناني الحالي بكافة مفاعيله وابرز تجليات هذا السقوط، الفلتان الذي نشهده على جميع الأصعدة. لا تكمن العقدة هنا، بل بماهية وصورة الجمهورية الثالثة، فبعض الأوساط السياسية تتخوف من وصاية دولية على لبنان كون أثبت أنه غير قادر على حكم نفسه، فكيف ستكون الوصاية دولية بحيث يضع المجتمع الدولي يده على لبنان، أم يعهد بالملف اللبناني الى دولة غربية مثل فرنسا فيتشابه حاضر لبنان مع ماضيه البعيد، أم يعهد الى دولة اقليمية كما حكمت سوريا لبنان فيتشابه حاضر لبنان مع ماضيه القريب؟

بعض الأصوات بدأت تعلو مطالبة بالفدرالية أو اكثر من ذلك الى فصل المكونات عن الدولة المركزية كون تبين له أن المكونات اللبناني تختلف عن بعضها البعض ولم ولن تتفق على معايير وطنية واحدة أو حتى سياسات خارجية واحدة، كون شهداء مكون معين ليسوا شهداء للمكون أو الطائفة الأخرى، المطلب الفدرالي يكثر الحديث عنه في الأوساط المسيحية بشكل خاص

يبرز خيار ثالث ليكسو الجمهورية الثالثة وهو الدولة المدنية أو العلمانية وهذا المطلب يعم الشارع المنتفض بشكل عام ولدى الأحزاب حديثة النشوء التي ترى ألا حل في لبنان الا بإلغاء الطائفية وعدم اكساء المراكز في الدولة بالطائفية، ويكون المواطن منتمي للدولة اللبنانية ولا للطائفة

وكون الثنائي الشيعي المكون الأقوى في لبنان في الوقت الحالي لا يمكن تجاهل مطلبه في المثالثة عند كل حديث عن تغيير النظام السياسي في لبنان، فالسؤال الذي يطرح هنا هل تكون الجمهورية الثالثة تحت ظل الحكم الشيعي بإمتياز؟ بعد الحكم الماروني والحكم السني؟ الوقت كفيل في إثبات أي صورة سترسم للجمهورية الثالثة، وصاية، فدرالية، دولة علمانية، أو مثالثة؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s